جعفر آل ياسين
16
الفارابي في حدوده ورسومه
وأذكر لك مثلا ورد على لسان أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء - كما ينعته الحموي في معجم أدبائه قاصدا به التوحيدي - في كتابه ( المقابسات ) حيث عرض هذا الأخير محتوى رسالة له في حدود الأشياء ورسومها على شيخه أبي سليمان السجستاني فقال له شيخه : « إذا استقام لك عمود المعنى في النفس بصورته الخاصّة فلا تكترث ببعض التقصير في اللفظ . فقال : وليس هذا مني تساهل في تصحيح اللفظ واختلاف الرونق وتخيّر البيان ، ولكن أقول متى جمح اللفظ ولم يوات ، واعتاص ولم يسمح ، فلا تفت نفسك حقائق المطلوبات ، وغايات المقصودات ، فلأن تخسر صحة اللفظ الذي يرجع إلى الاصطلاح أولى من أن تعدم حقيقة الغرض الذي يرجع إلى الإيضاح » « 10 » . ذلك حقا هو القول الفصل الذي يؤكّد لنا أنّ دلالة المعنى كانت أهمّ لديهم من دلالة اللفظ ! . فلو جاوزنا حدود ما ذهب إليه التوحيدي ، لوجدنا أنّ بعضهم أثار مشكلة الألفاظ . وهل هي موضوعة بإزاء الصور الذهنية ، أو بإزاء الماهيّات الخارجية ؟ . . وهي قضية من إشكالات المدرسة الرواقية على الفكر الارسطوطالي - ولقد اخترنا لك موقف جلال الدين السيوطي ( 849 - 911 ه ) حيث يذهب إلى أنّ مواقف اللغويين تباينت في هذا السبيل ؛ فهناك من يرى بأنّ اللفظ يتغيّر بحسب تغيّر الصورة في الذهن . . وآخر يرى أنّ اللفظ موضوع بإزاء المعنى من حيث هو ، مع قطع النظر عن كونه ذهنيا أو خارجيا - فإنّ حصول المعنى في الخارج والذهن من الأوصاف الزائدة على المعنى ! . واللفظ إنّما وضع للمعنى من غير تقييده بوصف زائد » « 11 » . في ضوء هذين الاتجاهين اللّذين ذكرنا ، كانت محاولات أصحاب اللغة في
--> ( 10 ) انظر : أبو حيان التوحيدي - كتاب المقابسات ، تحقيق محمد توفيق حسين ، بغداد 1970 ، ص 375 . ( 11 ) انظر : جلال الدين السيوطي - المزهر في علوم اللغة ، القاهرة بدون تاريخ ، 1 / 42 .